لا أعتقد أن اللعنة لعنة وعي بشكل كلي، بل هي أقرب إلى لعنة المقارنة، لعنة أن يزداد وعيك بالآخرين إلى درجة تزيحك عن الوعي بنفسك.. تلك لعنة لا محالة!
تخيل أن تكون بفطرتك قوي الفهم بنفسك إلى درجة سلك طرق خاصة بك لا تشبه أحدًا فيها، وبمجرد أن تكمل عقدك الخريفي الثالث تنظر إلى الآخرين وإلى نفسك وتبدأ بالتنقيب عن مواطن الخلل فيك، يخدعك عقلك بأنك أكثر من طبيعي وأنك لا تحتاج إلى كل تلك الوسائل التي لطالما لجأت إليها للعيش.
ثم بعد ثلث عقد آخر تكتشف أخيرًا أن الخطأ الأكبر في حياتك كان تلك المقارنة، لا غير؛ إذ أن ما أسميته بـ (التعقيدات) لم يكن حزمة آليات دفاع بل كان في الأساس رزمة آلية تشغيل لازمة، فقد خٌلقت ببساطة مختلفًا عن ذوي جنسك؛ فاليوغا بالنسبة للناس استرخاء بينما هي بالنسبة لك لم تتعدَّ كونها تمارين إطالة ومرونة، ويسهر الناس ترفًا ورفاهية، في حين أنك مضطر إليه بيولوجيًّا وفسيولوجيًّا وطاقيًّا، وتكون الحواس في مفهوم غيرك أدوات تكيّف يمارسون بها العيش الطبيعي والحياة اليومية، لكنها نعمةٌ ناقمةٌ عليك، وأن يقرأ الإنسان ثلاثة كتب متزامنة بالتناوب فيما بينها لأعجوبة عبقرية أو استعراض مهاري في عين الجميع إلّاك، حيث تكون طريقتك الوحيدة للاستمتاع بالنصوص والحفاظ على عادة المطالعة والقدرة على إنهاء ما تبدأه من كتب، ثم يأتي عدم التأخر عن المواعيد ليكون سمة الملتزم المنظم في الغالب ولا تكون بالنسبة لك أكثر من حل يزيح عنك عبئًا نفسيًّا ويخلصك من مهمة من شأنها أن تعزز تشتتك، ويشكو غيرك الأرق مؤقتًا لعقار أو إسرافٌ للقهوة، بينما تشكوه عمرًا لعجزك عن إفراغ وقودك الذهني بشكل كافٍ.
مهلًا إن كنتَ تخالفني الرأي! فما قصدته في هذا السياق بأنتَ هو بصراحةٍ (أنا)، وما قصدته بالآخرين فهوَ حتمًا (أنت)؛ فإذا كان الوعي بالنسبة إليكَ هو اللعنة فهو غذائي الفعال حتى صافحتني المقارنة فأحلّت اللعنة علي، فافهم نفسك اليوم تُباركها كل يوم.

أضف تعليق