من الجميل أن نستشعر معاني المفردات المختلفة دون التشديد على الحقائق، إذ هو جزء من الاستمتاع بطبيعتنا البشرية وعنصر التواصل الأساس فيما بيننا، وهي اللغة، على الرغم من أني أفتقد في كثير الأحيان هذه البساطة في أخذ التعبيرات كما هي دون الوقوف على أصلها، لميلي -أولًا- للجدية غير المقصودة ولكن بدافع حبي اللغوي، ولنشأتي التي قامت على المنطق والحقائق أكثر من حرية التذوق والخيال- ثانيًّا.
دعك مني الآن، ولتتأمل جمال وبساطة (الصدفة)، والتي تشبه انبثاقة غير متوقعة لشرارة نجمية، أو سقوط قطرة مطر خفيفة الحركة وثقيلة الصوت تحت جفنك السفلي، وهبوب نسمة باردة متزامنة مع تنهيدتك، وغيرها الكثير من اللحظات الجميلة والصغيرة والتي تترك في نفسِك وقعًا طويل المدى ينعم على شفتيك بابتسامة هادئة، بل حتى يجعل من روحك مبتسمة لأسباب لا تستطيع شرحها لغيرك فتحتفظ بجماليتها في نفسك وتحتفظ فيها ذاكرتك الانتقائية لتتذكرها في كل موقف متشابه وتعاود الابتسام بنفس الطريقة، وتتعزز رغبتك عامًا بعد عام بالاحتفاظ بتلك الابتسامة وأسبابها وذكراها لنفسك دون مشاركتها الآخرين.. والسبب؟ صُدفة!
” ما من شيء اسمه صدفة!”، من مفهوم ديني لا وجود حقيقي للصدف، إذ كل شيء مدبر بأمر الله وبأدق التفاصيل وإن جهلنا كواليسه والحكمة منه، وهذا ينقض اتجاه فلسفي لا يؤمن بالفلسفة إلا عند نفسي الهدف من وقوع شيء، اتجاه يبدو إلحاديًّا إلى حد كبير ولا يؤمن بوجود قوة مدبرة أو خالق لكل شيء بقدر، ولكن ثمة اتجاه فلسفي آخر لا يتسق فقط مع المبدأ الديني بقدر ما يدعمه كذلك، وهو بالتحديد ما أثني على جمالية تعريفه، إذ يقول إن الصدفة هي وقوع حدث غير متوقع، ولأسباب غير واضحة ولا يمكن تأكيدها، وهذا الاتجاه بالضبط ما تقوله الأديان الربانية وعلى رأسها الإسلام، وهو أننا (نجهل) الأسباب إذ هي (لحكمة) وضعها الخالق، أيضًا أن الحدث لم يقع من تلقاء نفسه لكن غموض المسببات جعل منه (صدفة).
لدي اعتقاد بأن المصطلح ما دام موجودًا كمصطلح فهو موجودٌ كمعنى أيضًا؛ ولكن أي المعاني وأي التعريفات لها وجود فعلي وأيها أوهام وفرضيات لا محل لها من الواقع؟ فالمسمى يسبق بوجوده الاسم.
هذا الفخ -الذي قد يمنعك عن العيش كإنسان بسيط تحركه الجماليات والمعاني ويسهل التواصل معه- لا ينحصر في مصطلح الصدفة فحسب، بل يتعدى ذلك إلى مصطلح السعادة التي تشترط انعدام الحزن، والمثالية التي تشترط انعدام النقص، والقداسة التي تشترط الألوهية أو كمال الطهر، وغيرها من المصطلحات التي لو استخدمتها في حديثك لزانَ وازدان وتلطف وقع الكلام به أو كان للمعنى أعماق آسرة وأبعاد قادرة على لمسك بقدر كبير من الطبيعية والبشرية، فيبقى لتعريفها وفق الدين خصوصية لا تنفي وجود تعريفات أخرى لها..
والحديث يطول، لكن اختصاره: إن وجدت نفسك تقف على اللفظ وتنتقده وتحيله إلى العدمية، خذ نفَسًا، وعد إلى أول معنى فهمته منه، فإنه على الأغلب ما قصده المصدر في سرده، إن قال صدفة يقصد أنه لا يعلم كيف حدثت، وإن قال سعادة يقصد أقصى مراحل الراحة والفرح التي يمكن أن يشعر بها، وإن قال مثالي يقصد أبعد ما يكون عن النقص، وإن قال مقدس يقصد خصوصية وأهمية مكانته… وهلم جرا.

أضف تعليق