لنقف على حقيقة واحدة.. “أنتَ لا تنسلخ تمامًا من نسختك القديمة”، وإياك أن تظن أن لهذه العبارة وجه واحد وموقف واحد وهو ما قد خطر على بالك فور قراءتها.. فهي بحر واسع تتفرق مراميه وتتلاقى بطرق لم تخطر على بالك..
أرأيت الطفل الذي تطبع منذ الخلق (أو منذ النشأة) بطباع سلبية قيل أنه إن كبُر سيتركها، ثم مع العمر تلاشت فيه، الحقيقة أنها لم تختفِ تمامًا، فسن الرشد وما بعده ما يزالون تربة خصبة، خلية نائمة، لغم خامل حتى يطأ طارئ عليه فينشط ويظهر للعيان، رُبَّ ظالم يعيد طفلك المنتقم إلى النور، رُبَّ جرح يحيي طفلك الباكي من جديد، رُبَّ ثراء يكشف الغطاء عن طفلك الطماع والأناني.. أنتَ في الحقيقة روَّضتَ ما كان يعيق تطورك الحضاري والإنساني معًا، هذبت نفسك فظننتَ أنك تحولت إلى غيرها لكنك في حقيقة الأمر دثرتها، وربما كان ذلك إلى أجل مسمى.
نأتي إلى قفزات الوعي التي تحبس نسختك القديمة في الماضي وتظن أن رحيلها أبدي، لكنها ما تزال قيد النداء، ستلبيه فور توفر البيئة المناسبة، تشبه تمامًا الفطريات التي تقضي عليها تمامًا، لكنها تظهر من العدم وتتكاثر بسرعة مرعبة بمجرد توفر الدفء والرطوبة والظلام المطلوبين للتكيف، فشخصيتك المترددة اجتماعيًّا بعد أن تستعيد مكانها الراكز الواثق في المجتمع قد تعود بموت أحد والديك أو من تستند معنويا إليه في الواقع كصديق أو شريك، والمسبب هنا ليسوا الناس ولا منطقك، بل صدمة عاطفية عطفتك بقود إلى الوراء البعيد، ليقفز الكائن المزعج الصغير إلى أذنيك ويوسوسُ لك “أتحسب أنك تغيرت؟ ما زلتَ ذلك الفاشل..”.
وإن نظرتَ من زاوية أخرى أكثر وضوحًا، وأرجو منك ألا تجزع بل تأنَّ بأخذها كمثال متطرف ومثبتًا أكثر من سواه ليصل إليك أول مثالين بشكل أوضح، وهي الجرائم بنوعيها، سواء كانت لازمة؛ كالإدمان وإيذاء النفس، أو متعدية؛ كالنهب والتعنيف، فقد أثبت العلم -دماغيا ونفسيا واجتماعيا وإحصائيا- أن بالون النزعة السيئة لدى الإنسان تكفيه وخزة إبرة لينفجر على النفس أو على المجتمع، فمن أتفه الأذى؛ كإدمان التدخين وشراهة الطعام والإسراف، مرورًا بضرب الآخرين وسرقتهم أو إدمان المخدرات، وانتهاء بأقبحها؛ كالقتل أو الانتحار، كلها على شفا حفرة من الرجوع، إذ أن ركلة واحدة في أضعف حالات المرء كفيلة بوقوعها ما لم يكن بجواره داعم وفي حياته محفز قوي جدا للإصلاح من نفسه.
زبدة الكلام، ليست تحقيرًا مما تبذله من جهود، فالله خلقك كإنسان {فِي كَبَدٍ} ولم يستثنَ من هذا القدر مخلوق واحد، حتى من اصطفاهم الله لحقهم الكبد في رسالاتهم وفي حيواتهم، لكن عليكَ أن تعلم أن التغير هو تشغيل لمحرك عربة عليه ألا يتوقف، لكَ أن تبطئ السير قليلًا لكن عليك أن تحافظ على الوقود، وألا توقف العربة إلا في مكان مناسب وفي وقت مناسب ولمدة مناسبة ثم عد وسِر، سبحان الله عن كذا التشبيه ولكنه خاطب عقل الإنسان بما يحمله من منطق بشري، أن أليس إحياء الموتى سهل على الله سبحانه والذي قد خلقهم في المقام الأول وأحياهم قبل ذلك؟ فإذا كانت مسألة عظمى تفرد بها الخالق كالبعث كان من البديهي أن يؤمن بها الإنسان ما دام قد آمن بصنع الخالق ونفخه الروح لأول مرة، فما بالك بتفاهة المخلوق وأفعاله ومواقفه والتي لا يمكن مقارنتها بإعجاز الخالق وعظمته؟
فلنفعل ما نحب، ولنستمتع باللحظة، ولندرك أننا بهشاشة الندى المتجمد، فهذا الإدراك وسيلتك لأن تكون أكثر صلابة تجاه كل ما قد يدفعك إلى أخفض قيعانك، ولا تلُم نفسك، فأنتَ “مجرد إنسان”، ولا تستهن بنفسك، فأنتَ “خليفة في الأرض”.

أضف تعليق