“رضا الناس غاية لا تدرك” ألمقصود بها رضا الناس جميعًا؟ إجماع الناس على الرضا بك أو ما يصدر عنك من أقوال وأفعال وأفكار ومشاعر؟ وهل من الصحيح أن نصف الغاية بأنها “رضا” أم أن الرضا إن ارتبط بالغاية صار “إرضاء”؟ فباعتقادي وبحسب اللغة العربية أن الرضا يأتي من تلقاء نفسه أو بإرادة تامة من الفاعل، لا يستدعي استرضاء، قد يكون نتيجة استرضاء فعلًا لكنه قد يأتي دون جهد منك، وما دام الرضا في معظمه لا يتطلب بذل جهد فأعتقد أنه لا يمكن وصفه بالغاية، فالغاية هي الهدف، والهدف يتطلب السعي، والسعي بذل جهد واضح الوجهة، فهل كان المقصد أن رضا الناس رغبة لا تُدرك؟ ولكن الرغبة لا تُدرك كالغاية بقدر ما تُحّقَّق، حيث إن الأصل في الرغبة هو الاشتهاء والتمني والترجي، وهو -بخلاف الغاية- لا يتطلب منك سعيًا، بل كل ما عليك فعله هو أن ترميه في حضن الكون ثم تنتظر الظروف لتتهيأ لك -على سبيل العقلانية- أو الصدفة لتقبّلك -على سبيل العبثية-، وأما من حيث الروحانية فالرغبة أشبه بكل ما يتضمنه دعاؤك الله وينتظر منك استجابته سبحانه، وبعض الرغبة غاية، تتطلب السعي قبل التوكل، تتطلب التوصّل لا الانتظار..
مجرد تأملات في اللغة جعلتني أعتقد أن الصياغة المناسبة هي بين احتمالين؛ أما “رضا الناس رغبة لا تُحّقَّق” أو “إرضاء الناس غاية لا تُدرك”، ثم أعود لأرى أن الرغبة بأن يرضى الناس جميعهم عنك فعلًا مستحيلة التحقق، والسبب ربما يعود هُنا لأيديولوجية المجتمعات، لأفكارهم المكتسبة والذاتية، لذائقتهم ومعايير اختيارهم لما يناسبهم وما لا يناسبهم، وفي الوقت ذاته أجد إرضاء الناس أجمعين غاية اعتباطية، أعني مرحبًا! هل أنتَ من كوكب الأرض مثلنا؟ هل أنتَ مخلوق في البعد الزمني ذاته؟ أم أنك وقعت خطأ في عالم لا تنتمي إليه؟ لأنك حتمًا لن تستطيع إرضاء الناس جميعًا مهما استرضيتهم، والسبب هنا ليس أيديولوجيا، بل يعود لسيكولوجية البشر المتأثرة بكل القوانين الطبيعية وأحيانًا الماورائية، إذ يميل بعضهم لرد جهدك تجاههم بخيبة مرتدة عليك، فبقدر ما تسعى طالبًا رضاهم وقبولهم وتقبلهم يرفضونك على قدر محاولاتك وبثقل محاولاتك وبقدر إصرارك في محاولاتك، تمامًا كقانون نيوتن الثالث، إلا أن الإنسان أكثر تمردًا من الثوابت الفيزيقية، وكثيرًا ما يدفعه -بحسب فرويد- الـهوَ ليرد الصاع صاعين قاصدًا ذلك أم دون تعمد.
فما العبارة “المنطقية” هُنا إن لم تكن إحدى الثلاث السابقة؟ ربما أن “رضا الناس مغالطة اجتماعية” أو “إرضاء الناس معادلة مستحيلة الحل”، أي بمعنى مبسط: لا وجود لرضا الناس، ولا يمكن إرضاءهم؛ فما رأيك؟


اترك رد