بعيدًا عن المعنى المذكور في سورة الفاتحة عن المغضوب عليهم والضالين، وهو معنى عقائدي بحت يشير كما قال المفسرون إلى أهل الكتاب من النصارى واليهود، ولكن بالمعنى الاجتماعي فقد لا يكون هناك فرق بين الضال والمغضوب عليه في عدد من السياقات، إذ يُغضب على الضال لضلاله، ويضلُّ المغضوب عليه.
بعض الضلال يصيب المرء دون أن يذهب إليه “برجليه”، حيث يكون مدركًا بأنه ضال ولكنه يجهل سبب ضلالاته، ويظهر ذلك كثيرًا في القضايا النفسية للإنسان عندما لا يحكم أفكاره ولا يسيطر على انفعالاته وكلما حاول ذلك تفاقمت مشكلته حتى يمزّق الحبل يديه فيفلت منهما أو يمزَّق الحبل نفسه فلا يعود مثلما كان.. وما يزيد المرء عناءً أن يولد في عصرٍ رغم ما فيه من انشار للمعرفة وتطور للعلم إلا أنه أكثر عرضة فيه للتنمر، وسوء الفهم وإساءته، عصر لا ستر فيه ولا غطاء، وما لم يكن لديه والدان مصابان هما أيضًا بوسواسٍ ما أو هوسٍ ما -أو ربما معلمٌ نبيه- لما عرف منذ بادئ العمر بما فيه من مواطن ضعف يتداركها ذاتية واجتماعيًّا ليمضي في حياته بأكبر قدر ممكن من النجاح والراحة، ولتفاجأ بعد مضي ما لا يكفي من العمر بتشخيص ربما يكبل يديه وربما يدفعه للأمام كجائع شره يقبل على الحياة بكل ما فيها، كمولود وُلد غاضبًا لا باكيًا، كل همه أن يسابق الوقت ويعوض ما فاته من الزمن، وفي أضعف الإيمان يحيا ويموت جاهلًا علته، ضالًّا فمغضوب عليه.
وبعض الغضب غير مبرر، لا تملك نفس الحق في تسليطه على المرء، ولكن شاء الله أن يكون في قلب الدائرة تصيبه السهام من الاتجاه نفسه، ولا تهدأ حتى تصيبه، وإن أصابته انتشت لتصيبه مثنى، وثلاثًا، ورباعًا، يؤلب الفرد به جماعته أو المتفرق من أفراد لجماعات أخرى حتى يرفعون المرء إلى سابع شاهق ويلقون به بقوة إلى سابع قاع، ألحقّ؟ لا.. ولكن لما فيهم من نقص لا يسده إلا اصطياد فرائس هم بأنفسهم قد ينسونها بعد التهامها وينتقلون إلى غيرها، ولكن الفريسة لا تنساه إن بقت على وجه المعمورة تنتظر أجلها بفارغ الصبر، فتعيش مغضوبًا عليها، تضل طريق النجاة.
ما ينجي الضال هُدًى، وما ينجي المغضوب عليه رحمةً، فإن كان الله يهدينا الصراط المستقيم للنجاة في الآخرة، فكيف النجاة في الدنيا وما صراطها المستقيم؟

أضف تعليق