من الغريب أن تشعر بأنك غريب.. عن نفسك. جملة غريبة، ولكن فعلًا، مهما بلغت صعوبة التعرف على ناس جدد في حياتك لا تضاهي الحيرة في استيعابك لنفسك بعد وقت طويل. قد تتساءل: “وهل انقطعتِ عن نفسك؟ هل كنتِ في غيبوبة؟”، والجواب هو “لا”، بكل ببساطة، أما بكل تعقيد فـ”شيء من هذا القبيل”.. إذًا، ماذا حصل؟
ثمة فجوة حالت بين ما كنتُ وما صرت، هي على الصعيد الشخصي تدريجية، فلا مجال لوجود فجوة، أي أني لم أنم شخصًا لأستيقظ الليلة التي تليها شخصًا جديدًا، ولكن على صعيد الكتابة، أن أدفن القلم في الدرك الأسفل من النوايا والأفعال حتى تتراكم عليه أغبرة العام وتحاوطه شباك النسيان ويتغذى على كتفيه الحاضر، ثم وفي غضون أجزاء من اللحظة ترتطم بقلبي وأصابعي العشرة وأعصاب عينيَّ تلك الموجة الجامحة المشبّعة بالرغبة بنثر الحروف وبعثرة السطور وحصر الأفكار والانتباه إلى ما يقوله كياني المكمم، لأنقب عن ذلك القلم فأجدهُ غريبًا عني، كما لو لم يكن ملكي طوال عقدين من الزمن، فأعود لدفنه في بقعة أعمق من سابقتها، ثم أبدأ رحلة تتسابق مع الضوء لاستكشاف قلم جديد يشبهني، ولا يشبهني، ودون قصد الانتقاء ولا التصنيف ولكن رغبة تلقائية في مجرد الوقوع على قلم أتنهد له تنهيدة الـ “أخيرًا!”.. ذاك مسارٌ معوجُّ مفاجئ، يشبه صفعة ساخنة حطَّت من بعيدٍ على خدٍّ متجمد.. هل التمستَ ما أعنيه من فجوة تفجَّرَت بين ما كنتُه وما صرت عليه في غضون وحدة زمنية قصرة جدًّا لا نعرف لها اسمًا بعد؟
بدأتُ بكيف أكتب؟ وماذا أكتب؟ ولمَ أكتب؟ لكنها كلها تلاشت بين فرقعة لوحة المفاتيح، ذلك الصوت الذي لا أحتمله إن أصدره غيري، ولكنه كفيل بخلق عشرات المؤلفات في أسبوع واحد إن عزفته بيدي، فكما ينطلق أبو سارة بضربة وتر واحدة تأخذه إلى معزوفة متكاملة بلا كبح ولا تهاون ولا استراحة ولا انقطاع، أستولي كسارة على ميدان الكيبورد وكأني أرقص بأطراف الأربع بارتجالٍ بوهيمي متقن على تربة غرقى وتحت سهامِ غيثٍ وفير.. حرف، وأخيه، فكلمة، ثم عبارة، حتى تكتمل ديباجة لا تشفي غليلًا ولا تسمن من جوع، ولكنها تنطق، بل تصرخ، صرخة حماس الدحة ، صرخة تكبيرات العيد، صرخة أهازيج جمهور كروي، صرخة الرضيع المستقبل لهذه الدنيا المبهمة والذي لا يعلم عنها حتى أنه يبكي حين يبكي، يا للحياة.. ويا للسخرية! أعني حقًّا، ما الفرق بينهما؟
أدخل بخطوة يمنى تركل الأوراق الصفراء، إلى عش جديد، أفترش بساطًا أحمرَ، أتحسسه بيدي، مضجعي الجديد، المطرز برياحين القرى، حيث أفك عن عقلي سلاسله ليتنشق النور، ويحتضن نفسه بقوة من جديد، ويسمعني صوته يحييني أملًا بـ “وطأتِ سهلًا”.

أضف تعليق