من منّا لا يستحق فرصة أخرى؟ ليست فرصة ثانية فحسب بل أخرى، ثانية وثالثة ورابعة وخمسون! كثيرة هي الخمسون فرصة، ألست كذلك؟ أعني أن تعطي أحدهم الفرصة الثالثة قد يكون ربما معروفًا غبيًّا، إذ “لا يُلدَغ المؤمن من جحر مرتين”، قد يُلدغ من جحور أخرى كثيرة متشابهة، ولكن من الجحر نفسه؟ ثمة خطب في ذلك.
السؤال هُنا هو: ماذا لو كنتَ أنتَ ذاك الشخص، أعني -واعذرني على ذلك- الدابة في حياة أحدهم والتي ينبغي عليهم اتقاء المزيد من قرصاتها، ماذا لو كنتَ من يحتاج حقًّا فرصة أخرى؟ مرة واحدة بعد، فرصة تثبت فيها لنفسك قبل الآخرين أنك -على سبيل المبالغة- شخص آخر! شخص مختلف تمامًا عمن سبق! ألن تجد أنك عندما تصدق ذلك عن نفسك فمن المجحف أن تغلق جميع الأبواب في وجهك وأن ترفضك جميع الموجودات وأن تُحبس على هذه الأرض بلا قدرة على الاستمرار والمضي قدمًا أو حتى المحاولة من جديد؟
حسنًا، من منظور آخر، ماذا لو كان ذلك الباحث عن فرصة أخرى هو طليق أختك، أو قاتل ابنك، أو المتسبب في إفلاس شركة والدك.. هل ستجد أن له الحق في الحصول على نعمة الفرصة الأخرى على حساب من تحبه ومن يعنيك ومن يستند إليك بالكلية؟ ماذا لو كنت أنتَ ذلك الطليق أو القاتل أو مُفلس شركة أحدهم، هل ترى أنه من حق ذوي الشأن أن يحظروك تمامًا من ميزات العفو والرحمة والمسامحة والمعذرة ومرادفاتها اللفظية والمعنوية؟
ما أقصده هو أن معيار استحقاق الصفحات البيضاء الجديدة غير واضح لدى الإنسان، إن لم يتعارض مع إنسانيته تجاه الآخرين فسيتعارض مع بشريته في البقاء بسلام، إن لم يتعارض مع إيثاره فسيعترض مع احترامه لذاته، إذ قد تكون العنصر المشدد على يد الصفح الأخرى مناشدًا بحق المخطئ بإكمال حياته ونسيان ماضيه ما دام الله يغفر للكافر جميع ذنبه لحظة نطقه الشهادة بإيمان، لكنك تتهم من يمارس عليك هذا الضغط نفسه بالظلم أو موت الإحساس أو النفاق وسواها.
ومتى نطبق هنا محبة ما نحبه لأنفسنا لإخواننا دون أن نكون مؤمنين ضعفاء؟ متى نطبق العين بالعين دون أن نتجاهل حق الآخر علينا بالتماس سبعين عذرًا؟ إلى أي كفة ينبغي أن نميل ومتى؟ ولماذا؟
الحياة بقدر بساطتها إلا أنها تتطلب العمل على موازنتها بحكمة، ولكن كثيرًا ما لا يشغل العالم هذا الكم من الأسئلة إذ لا يقع الجميع في حياتهم مرة على الأقل في هذه الحيرة، ولا على الأكثر حتى، فهي من الأمور التي ربما لا ينبغي أن تأخذ حيزًا من أفكارك ما لم تقع في ظرف يستدعي ذلك، ولكن.. صدقني، عليك أن تحاول تحديد معاييرك بصدق مع نفسك ما استطعت، فتأثيرك في هذه الحياة لا ينحصر عليك وحدك.


اترك رد