محاولات المرء في جميع جوانب الحياة لا تنتهي، قد يكون بعضها مكررًا، يمر من الطريق ذاته، يهيئ ما استطاع من الظروف نفسها، يحاكي خطواته الأولى تمامًا ليسترجع ما يدله على موطن الخطأ، وكثيرًا ما ينتهي إلى تلك النتيجة التي كان يأمل تغييرها، وبعض تلك المحاولات متشابهات، تشترك في الغاية وتختلف في الوسيلة، تشترك مع مثيلاتها في معايير دون سواها، وما إليه، وثمة محاولات لا تتعدى أولها، تقف عند الفشل أو تكتفي بالمنال.
أرى أنك لمحت في ذهنك ما له علاقة بما سبق، وأنه في غالب الأمر ذو هدف سامٍ، مهنة، علاقة عاطفية، علاج.. لكن ماذا عن تلك المحاولات التي قد لا تبذل فيها جهدًا مقصودًا، أو لا تلحظ بأنك قد بدأتها؟ لن أزيدك غموضًا وضبابية.
تخيل لو كنتَ كاتبًا تحاول في كل مرة أن تكتب شيئًا جديدًا، موضوعًا مختلفًا كليًّا، في نفس المجال، بدلًا من كتابة مقال نقدي عن الحرب كتبته عن الحب، أحيانًا قد تقع في فخ المطالبة بالسلام إبان الحرب، ووصف الحب بالسلام، تخرج عن الموضوع تمامًا ولا تخرج عن مبادئك واعتقاداتك. ثم تخيل أن تختار كتابة مقال اجتماعي بدلًا من المقال الذاتي، قد تجد عند المراجعة الأولى أو العاشرة أنك هممت بالحديث عن نفسك وما تراه رغم عقدك النية بالموضوعية التامة فيما تكتب عن المجتمع. تخيل أن تترك المقالات وتتجه للشعر، كم من كلمة ستكررها؟ فبدلًا من أن تنوع في اختيار المرادفات تختار المفردة ذاتها، تكتب في المقال والشعر (لُب) وتنسى الوجدان والفؤاد والقلب، تكتب في المقال والشعر (يَم) وتنسى البحر والمحيط والخليج، تكتب في المقال والشعر (مُر) وتنسى الموجع والقاسي والعلقم.. إذ تعبر عن شخصيتك دون قصد منك، مهما تغير لون القلم، بل وإن طورت من تنويعك في الألفاظ والصور البلاغية تجد كلمات الربط متشبثة بك، كنبرة صوتك التي لا يمكن أن تتغير فجأة، بل لابد من أن تظهر عليها علامات التقدم في العمر ثانية بثانية، ليلةً بليلة، وعقدًا بعقد.
ويتبع الكتابة الرسم، فلو كنتَ على قدر عالٍ من المهارة لأن تبتكر شخصيّات وترسم لها “بورتريه” لن تبتعد في معظمها عن تعبيراتك التي عهدتها كل يوم في المرآة، ولا عن تشريح وجهك الذي عاشرك عمرك كله، ولو قررت أن تتجه من الواقعية إلى الانطباعية سيلحقك منظورك، فحجم الرأس بالنسبة إلى الجسم لن يختلف إلا بنسخ صورة خارجية، وستلحقك “باليتتك”، فدرجات ألوانك لن تتحول فجأة من الألوان الصريحة إلى الدافئة الوحشية، ولو تحولت من الانطباعية إلى التجريد فستلحقك درجة دقتك وهوسك باتباع حدسك، فلو كنتَ في الانطباعية تملأ المساحات لن تتحمل وجود البياض الكبير في التجريد، ولو كنتَ في الانطباعية لا تقطع العنصر عند حافة اللوحة فستجد نفسك تجعل لمساتك واضحة الحدود والنهايات، هل هي العادة؟ ربما، ولكنها أيضًا انفعالاتك التي لا يمكن حبسها أو تجاهلها لمجرد تغيير المسار.
خذ مثلًا اختياراتك الموسيقية والتلفزيونية والقرائية، إلى أي مدى قد تتبدل خلال خمس سنين؟ ماذا عن ذوقك في العطر والطعام والملبس، إلى أي مدى قد يتبدل خلال عشر سنين؟ ثم ماذا عن ميل قلبك إلى بعض أفراد المجتمع، إلى أي مدى قد تتبدل انطباعاتك عن الناس من وجوههم وإيماءاتهم وهندامهم خلال عشرين سنة؟ ليس كثيرًا.
في علم نفس الجريمة يقال إنه ما من جريمة مثالية، أي لا توجد جريمة كاملة، وكثيرًا ما يرجح ذلك أن المجرم مهما كان محتالًا وذكيًّا فغالبًا ما توقعه طبيعته، فسهوًا تكشفه عاداته اليومية كمزج رائحة الكحول المعقم بالتبغ، أو طريقة رسمه لحرف الحاء رغم محاولة تزييفه لخط يده، أو حتى وإن أجرى عمليات التجميل جميعها لتغيير هويته تمامًا فحتى نظرته عند التوتر أو التركيز قد تكشف هويته.
وفي المجتمع مثل لا يخفى عليك، وهو أنَّ حبل الكذب قصير، ربما يربطه الروحاني أو من يأتِ من خلفية دينية أن ذلك لأن الله يمهل ولا يهمل وأنه سيكشفه يومًا، ومن يؤمن بالطبيعة سيبرر ذلك بالـ”كارما” وسنة الحياة وميزان العدل الكوني، ولكن لو نظرت إلى الأسباب من منظور مختلف، فربما لأنك مهما لبست قناعًا، ستحمل العين ذاتها، ومهما غيرت مظهرك لن تتغير طريقة مشيك، ومهما شكلت صوتك سيفضحك حقل كلماتك، فما يميزك عن غيرك من منظومة العادات والمشاعر والأفكار ليس مجرد “شخصية”، بل بصمة لا تحتاج إلى برامج للتحليل بقدر ما يكفيها إنسان ذكي غفلت أمامه سهوًا عن ستر الحقيقة فانكشف سرك.
فهل هذا الشيء لا يقدم ولا يؤخر؟ ربما، هل لا يسمن ولا يغني من جوع؟ احتمال، ولكنه درس صفعني مؤخرًا بعد أن اكتشفت عن نفسي شيئًا ربما أشاركك إياه يومًا ما، وعندما عدتُ إلى حواراتي القديمة مع أصدقائي، إلى اختياراتي القديمة لأسلوب حياتي، إلى مختلف أنواع نصوصي الفصحى والنبطية والمقالية والشعرية، وجدته بيّنًا، واضحًا كوضوح لون التوت على لسان فاطر في نهار رمضان، وكأثر رائحة السجائر لمراهق يتخفى عن والده، وكوضوح عطسة تفضح استيقاظك.. بذاك الوضوح كانت نفسي مكشوفة، وكنتُ آخر المدركين..
لذا صدقني، إنك لن تستطيع التجرد تمامًا من هويتك، لن تتقن تزييفها، مهما حاولت ذلك لا يمكنك أن تستبعد شخصيتك بتفاصيلها من ظاهرك كباطنك؛ فهل ما زلت قادرًا على حفظ سرك إلى الأبد؟


اترك رد