تخيل لو أنك تقف أمام المرآة فترى قفاك بدلًا من وجهك، تلتفت يسارًا فترى يمينك بدلًا من انعكاس يسارك، وحين تجعل المرآة خلفك تتربص بك عيناك من خلفك.. صورة مرعبة أليست كذلك؟ أعني أن تبحث عن صورتك فتختبئ عنك لتُظهِر ما لم ترد رؤيته، وأن تقف أنت وانعكاسك كما يقف توأمان في طابور انتظار أحدهما خلف الآخر، فلا ترى نفسك جيدًا، لا ترى المستقبل بل ترى الماضي دائمًا، ولا ترى التقدم بل التراجع وحده.
تخيل أن تكون صورتك هذه مطابَقة لا انعكاس، نسخة منك طبق الأصل، توافقك حتى في اتجاهاتك، ينعكس المكان وتتطابق الصورتان (أنت ونسختك)، عندها -أجل- ستكون مميزًا جدا في هذا العالم ولكن لا صلة لك به، إذ تخالفه وتخالف قوانينه، فلا تكون سوى طفرة غير محمودة، تكرر من نفسك تمامًا في كل مكان؛ في مرآتك وعلى سطح الماء والألواح الزجاجية والأباريق المعدنية، أنتَ وحدك إما أن تكون ببدايتين دون نهاية، أو نهايتين بلا بداية، وما يحدد عذاب خلودك وخيبة فنائك هو اتجاهك!
تخيل أن يكون قدرك متكررًا، متكررًا إلى هذه الدرجة، وكل ما حولك يمثل لك قوس البداية والنهاية؛ بدايته مدرَكة حسيًّا ونهايته منعكسة على بدايته، وأنت وحدك في عراك مع صورتك؛ تقلبها فتنقلب أنت وتعدلها فتعتدل أنت.
تخيل أن يكون شريكك كتلك الصورة المخيفة، نسخة مكررة منك، في كل شيء، ولا يختلف عنك إلا في مكانه، فراشك على اليمين وفراشه على اليسار، تشرق شمسه وتغرب شمسك، كلما تحركت تجاهه ابتعد عنك.
تخيل أن يكون بكيانه كاملًا كما تكون أنت.. ابحث لي عن ثغراتك التي يسدها، ابحث لي عن ضحكاته عند حزنك! هو لا يعكس ما بداخلك وإنما يطابقه تمامًا، يغضب مما تغضب فلا يأخذ على عاتقه حمل رضاك لأنه يريد الشيء نفسه، يبكي لما أبكاك ولا يملك حيلة للطبطبة عليك لأنه يحتاجها مثلك، يتكلم عندما تتكلم فلا تجد فرصة إلا إن سكتَّ ليسكت، ولا أحد منكما يسمع إلا ضجيج الآخر ولا أحد منكما ينصت إلا بصمت الآخر.. ما الفائدة؟
القليل من الاختلاف يحل الكثير! أن تتشابها في بشريتكما وتختلفا في نوع الجنس، أن تتشابها في اللغة وتختلفا في اللهجة، أن تتشابها في الدين وتختلفا في التعبد، أن تتشابها في الذوق وتختلفا في تحليله، أن تتشابها في المشاعر وتختلفا في التعبير.. فما فائدة أن تعيش مع من يطابقك فتكون كمن يعيش “مع نفسه”؟
تخيل أن يكون كل رد فعل مساوٍ للفعل في المقدار ويطابقه أيضًا في الاتجاه! كيف يحل العدل؟ كيف يعقب الليل نهار؟ كيف يطفئ النهار ليل؟ كيف تفرغ غضبك في من يفرغ غضبه في غيرك الذي يفرغ غضبه في آخر؟ كيف تنفق مالًا على شيء لن تملكه؛ فاتجاهه باتجاه المال؟ فتشتري البضاعة لبائعها بمالك، وتتصدق على فقير فيأخذ أجر صدقتك، تبتسم في وجه أحدهم فيبتسم لنفسه بعيدًا عنك، تغني فتصفعك الدنيا ببرودها لأن لا شيء يستمع إليك.
إن أردت استيعاب الفكرة فاقرأ النص مرة أخرى، بنفس الاتجاه، من البداية وحتى النهاية، ولا يجب عليك فهم الأمر كما أفهمه؛ إذ القليل من الاختلاف يحل هذا الخلاف..
–
من مقالات مؤلفي: بين العاشرتين (2019)


اترك رد