“ما هي حدودك؟”
سؤال لهُ زاويتان، لو طرحته على شخص ما تستطيع أن تأخذ فكرة عن طريقته في إدارة حياته الشخصية أو الاجتماعية، ويتضح لك من خلاله أيهما يغلب الآخر عنده، ألذكاء الذاتي أم الاجتماعي؟
توقف للحظة، واسأل نفسك: “ما هي حدودي؟” وأجب نفسك.. ثم خذ جوابك على سبيل المثال..
إما أنك أجبت بـ “الله، والقانون، والأخلاق، والعادات” ونحو ذلك، وإما أنك أجبت بـ “الدين، والوطن، وأهلي” وما إلى ذلك.. وهناك فرق كبير بين الاثنين، فالأولى هي الوازع، أو ما تقف أنتَ خلفه من حدود، أي بينك ونفسك، أما الثانية فهي العقد الاجتماعي، أو ما يقف أمامه الآخرون من حدود تمسك، تضعها بنفسك لتتمكن من الانخراط معهم في علاقات اجتماعية بأكبر قدر من الراحة الممكنة.. أما الاحتمال الثالث فهو أنك ربما قبل أن تجيبَ نفسك تساءلت: “أي حدود؟”، وهو اتزان موجود ولكنه نادر، ولن أسهب فيه.
من يسلط الضوء على الحدود التي لا يتخطاها هو الأقرب إلى الأمانة، الطيبة، العون، الكرم، وجلد الذات!! بينما من يسلط الضوء على الحدود التي لا يسمح لغيره أن يتخطاها هو الأقرب إلى القوة، العزة، الأصالة، التحفظ، والهجوم على الآخرين!! ومن كان بين البين فما بين ذلك.. ولا ننفي حسن الصفات الأولى عن الفئة الثانية ولا حسن الصفات الثانية عن الفئة الأولى، ولكن ما نستشفه من صفات فهو الأقرب إلى الوقوع.
والحقيقة لو تأملنا قليلًا لوجدنا لهذا السؤال والإجابة عليه أبعادًا أخرى كذلك، فالذي يقيد نفسه ولا يستطيع المغامرة أو الاستمتاع بالحياة سيجيبك في الغالب عن حدوده التي لا يتعداها، ومن تكثر مشاداته وخصوماته فسيميل في الغالب لإيضاح حدوده التي لا يسمح لك بتخطيها، ومن ناحية عاطفية فالفئة الأولى أكثر ربما تغلب عليه الحساسية والكتمان وجروحه الاجتماعية أقرب لـ “لا يشعرون بي”، بينما الفئة الثانية ربما تغلب عليها العجلة والانفعالية يميل جرحه الاجتماعي لأن يكون “لا يفهمونني”، على الرغم من أنها أقرب من الفئة الأولى لتكوين العلاقات.
الكثير حقيقة من الأسئلة العامة هي نافذة غير مباشرة إلى شخصيات الآخرين وأسلوب حياتهم وتجاربهم العاطفية ونظراتهم تجاه أنفسهم، وكلما خُصصت الأسئلة وكانت أدق وأوضح وباتجاهٍ محدد لا يحتمل غيره، كان من الصعب فهم المجيب، فسؤالك: ما هي حدودك؟ وماذا تعلمت من الحياة؟ وأين أنتَ الآن؟ وهل أنتَ راضٍ؟ يختلف تمامًا عن سؤالك: “ما هي حدودك مع نفسك؟ وماذا تعلمت من تجربة ترك الوطن والغربة؟ وأين أنت من النجاح الشخصي؟ وهل أنتَ راضٍ عن مبادئك؟”
لذا، فالأسئلة العامة قد تكون فخًّا للمخاطب إن أساء اختيار الإجابة التي ربما تفتح فيه وعليه بابًا للسائل لا تحمد عقباه، ولكنها للسائل نفسه أسلحة وأدوات، إن أحسن استخدامها أفادته ببناء علاقاته بما يخدم مصالحه، ولكن عزيزي القارئ.. أرجوك، حاول أن لا توظف فطنتك ومهارتك هذه مستغلًّا الساذجين – بطريقة ملتوية – لكشف خصوصياتهم دون أن يدركوا وقوعهم في فخ حرية اختيار زاوية الإجابة، وفقك الله ورعاك..


اترك رد